12‏/08‏/2008

تكام فالصمت لم يعد من ذهب ( الجزء التاني ) مقالة شهر آب مجلة المروج

مؤنث الغرام ... غرامة
ومؤنث الأنثى ... ذكر ,
ولا شيئ في هذا المكان ثابت سوى المكان نفسه ,
إذن ...! ؟؟؟
إن كانت حمى البحث عن النصف الآخر موجودة لدى البشر,
أظن بانه يتوجب أن نبحث بشغف أكبر عن النصف الأول كي نجد له فيما بعد نصفاً لندعوه بالـ ...
"النصف الآخر" .

قال لي رجلٌ صيني: " أعطني صنارتك ولك مني كل يوم سمكة ", ساورني الطمع فطلبت منه ثلاثة يومياً لكنه رد علي بالإيجاب
كنت أعرف بأنه في صنارتي توجد أسماك البحار جميعاً, ولكنها لا تخرج منها إلا بجهدٍ لم أكن أملكه.
أتاني في صباح اليوم الأول ومعه سمكة , أخرجت سكيناً , فتحتها , فوجدت وجهها وقد أحيته ذكرى صدى بحرٍ قديم إبتلعته صنارتي المستعارة , حينها لبست عيناي صورتها لأمد أطول من عمري بكثير , إسترددت منه الصنارة وأعطيته في المساء سمكاته الثلاثة وتخليت له عن عالم البحار الذي لا أملك منه سوى صنارة واحدة , رحلت من رمال الشاطئ ولجأت إلى رمال الصحراء , زرعت صنارتي هناك وتركتها ثلاثة آلاف سنة ... وعندما عدت , وجدت مكانها شجرة عششت فيها أسماك كثيرة تملك أجنحة ولها وجه يشبه رداءً لبسه نظري هلوسةً منذ ثلاثة آلاف سنة ... لبسه لأمد بعيد ... طويل , أطول من عمري بكثير ...

إلتزمت الصمت طويلاً فصرخ السكون بوجه ذهولي وعلم حماقتي قائلاً :

" هناك حب لا يدوم إلى الأبد , و حبٌ لا يولد كي يدوم إلى الأبد ... والأبقى من الإثنين أمنية قديمة بوجود حبٍ يدوم إلى الأبد , وبما أن كل ما تبقى من قصص سيدنا سليمان هو بساط الريح الكريه الذي نصادفه في المخافر والمعتقلات إذن لن يكون هناك سوى نبض خفيف يشبه الموت في حجر كريم مدفونٌ داخل صنمٍ مختبئ داخل حبة حصى يركلها جميع الناس وخصوصاً أولاءك من يدعون المحبة المجانية في أكثر سوبرماركات المجتمع رأسماليةً ووضاعةً ... " .

كانت الأرض ما زالت تدور حول الشمس ومن داخلها أنا أدور حول نفسي فلا أشرق إلا ظلاماً في أحلك ليالي الألفيات الثلاثة وكل هذه الكلمات أيضاً تدور في رأسي , حينها لمحت عجوزاً ذو ملامح شرق أسيوية ... تقدم مني وقال لي :" ما رأيك بأن تعطني بندقيتك وبالمقابل لك مني كل يوم واحدٌ من هذه العصافير الغريبة " .
نظرت إليه وكأني أفكر بشيئ ما ... لم أعد أذكره ... من ثم قال : " أنا أفضل من هذا الصدأ الذي يعانقها ...كما أن هذه العصافير الغريبة تبدو لذيذة , وأنت جائع جداً ... والبنادق يا بني ... لا تؤكل " .

العرض مغرٍ دائماً ولكني تعلمت أنه لا يمشي على الدرب سوى صاحبه و تعلمت أيضاً أنه إن لم يكن الحب موجوداً علينا أن نبتكره وإن إبتكرناه ولم نحظى به ... إذن علينا أن نتوهمه ... قبل أن تتحول أقدامنا ودروبنا إلى خطىً جامدة على شاطئٍ في وسط الصحراء .

تكلم فالصمت لم يعد من ذهب ( مقالة في مجلة المروج اللبنانية عدد شهر تموز 2008 )

تكلم , فالصمت لم يعد من ذهب
( من وحي الفكر الضال ؟ ... ! )

أن نتكلم كل ساعة كلمتين خير من أن نتلعثم بكل كلمة مرتين ,
وأن نتلعثم بكل كلمة عشر مرات خير من أن نصمت إلى الأبــــد ...
لذا ... أرجوك بأن تتكلم , فالصمت لم يعد مـن ذهب !


عندما أمرُّ على كل أجزاء حياتي التي تسربت من سماء الوقت المتساقطة مع أمطار ثوانيها بتناثر فوضوي مبهم , أراني أُجبرت دوماً على فعل هذا وقول كذا ! , ممن ؟ ... لربما كنت أنا من يأمرني فأطيع ومن المحتمل أن يكون أولائك الجن ... الملائكة .. الشياطين ... لا أعلم ماذا تسمونهم ... ولكن تعرفون بأني أقصد تلك الذبابتين الخفيتين المزعجتين اللتان تطنّان دوماً .. وكل واحدة في أذن ... يشلانني بالحيرة عند كل أمر .. فكرة وشعور أيضاً ... و صدقوني هاتين الذبابتين محترفتان في الإزعاج والتنكيد على المرء من خلاله ... بحيث تمسي مسألة الهروب منهما ضرباً من ضربات الهبل الأعظم .

منذ زمن بعيد ... آآآه ... اللعنة عليه كم هو شاحب في ذاكرتي ومتلاشٍ ,
منذ كنت طفلاً صغيراً أتدحرج بين أقراني على الزقاق المحيط بمنزلنا الصيفي والشتوي والربيعي والخريفي معاً ... كنا نركض ونمشي كالنهر الجارف نعبث بكل شيئ من أجل لا شيئ , فقط في سبيل العبث , لم تكن قد أفرزتنا عيون الأهالي المتفحصة ... و مدارس المنطقة .. و .. و المجتمع كله ... لم يكن أحدهم قد بوبنا ... بخانات مراقبة .. فهؤلاء صبيان .. وأولائك فتيات ... ,
صدقوني يا ناس ... حينها لم أكن أعلم بأن قطعة اللحم تلك التي كانت تتدلى من بين ساقي والتي كانت تعيق مشيتي أثناء خطواتي الأولى وتلك نفسها التي تسببت دائماً بوقوعي في ذراعي أمي عندما كنت أفر منها منتهزاً فرصة تبديل الحفاضات لأفرّ من كل ما يحتبسني في الداخل ... وبكلا الحالتين .. فررت أم أسرت .. كنت أضحك ببراءة ... ولا ألبث أن أتأقلم مع الحفاض الجديد
لم أكن أتوقع بأنها ذات أهمية ... ها ها ها ها ... وهي صغيرة جداً ... بحجم فرخ الحمامة ... أولاً أعطتني الكثير من الحريات المحرمة على أصدقائنا القدامى ... وشدت إنتباه أهالي الحي ... المدرسة ... المدينة ... المجتمع ... الأمة العربية ... وكل من في العالم .. أجبرتهم على تدوين كلمة معينة في سجلي ... و أجبرتهم على تحريري ( وكأنه سلاح فتاك ) من كل سجن تزج به فتيات هذا العالم .

إن الطبيعة تخلق أجسادنا كأوعية فارغة , ونحن من يتوجب عليه أن يملأوها والوعاء ينضح بما فيه ,

"الضمير" , هذا كل ما نحن بحاجة إليه أولاً في التعامل مع أنفسنا عندما ننحتها على الصورة المرتسمة في مرآة الذات .

إننا نخلق الجزء الذي لا تستطيع الطبيعة أن تخلقه فينا ,بكل ثانية من ثواني حياتنا حيث تشكل أقوالنا وأفعالنا ومن ورائها عقائدنا وإيماننا بالقضية أجزاءً منها , لذا دعونا نبنيها حدائقاً بدل من أن تكون دورٌ للمياه أو بيوتاً للدعارة .

الشجاعة بأن نقول الحقيقة بأي شكل كانت , لأنه إن كان يتوجب علي أن أكون شيطاناً أخرس ... عندها أنا لا أريد نفسي وسأتخلص منها وكأنها كيس من القمامة .